تناولت الباحثة سامية محمد في هذا المقال إشكالية إدارة الأنهار العابرة للحدود، مركزةً على المقارنة بين تعامل الصومال وإثيوبيا في حوضي نهري جوبا وشبيلي، وبين الخلاف القائم بين مصر وإثيوبيا حول النيل الأزرق وسد النهضة. وترى الكاتبة أن التجربة الصومالية تطرح نموذجًا مختلفًا قد يحمل دروسًا مهمة لمستقبل التعاون المائي في حوض النيل.
وأشار موقع هورن ريفيو إلى أن نهري جوبا وشبيلي ينبعان أساسًا من الأراضي الإثيوبية قبل أن يتدفقا نحو الصومال، وهو واقع جغرافي يشبه إلى حد كبير حالة النيل الأزرق الذي تنبع غالبية مياهه من المرتفعات الإثيوبية قبل وصولها إلى السودان ومصر. ورغم اعتماد الصومال على هذه الأنهار، لم تنشأ بين مقديشو وأديس أبابا نزاعات حادة حول استغلال الموارد المائية كما حدث في ملف سد النهضة.
التعاون بديلًا عن الصراع
لفتت الكاتبة إلى غياب اتفاقية شاملة لتقاسم المياه بين إثيوبيا والصومال، إذ لا توجد ترتيبات تحدد حصصًا ثابتة أو آليات إلزامية لإدارة الأحواض المشتركة. ومع ذلك، فضلت الحكومتان اللجوء إلى الحوار والتشاور السياسي لمعالجة القضايا المشتركة، مستندتين إلى مبادئ القانون الدولي والتفاهمات الثنائية.
وعكست هذه المقاربة إدراكًا متزايدًا لدى الطرفين بأن المصالح المشتركة تتطلب إدارة تعاونية بدلًا من المواجهة. كما أظهرت الصومال استعدادًا للتعامل مع إثيوبيا كشريك إقليمي رغم اعتمادها الكبير على المياه القادمة من أراضيها، وهو ما اعتبرته الكاتبة تحولًا مهمًا في إدارة العلاقات المائية العابرة للحدود.
وترى الدراسة أن هذا السلوك يتوافق مع التطور الذي شهدته قواعد القانون الدولي للمياه، والتي باتت ترتكز على مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية، ومنع الضرر الجسيم، وتبادل المعلومات، والتعاون بين دول الأحواض، بدلًا من التمسك بمفاهيم السيادة المطلقة أو الحقوق التاريخية غير القابلة للتغيير.
النيل الأزرق بين الحقوق التاريخية والتنمية
عند إسقاط هذه المقارنة على ملف النيل الأزرق، تشير الكاتبة إلى أن مصر ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على خطاب الحقوق التاريخية والمكتسبة في إدارة النزاع مع إثيوبيا. وترى أن هذا النهج يواجه تحديات متزايدة في ظل التحولات القانونية والسياسية التي تشهدها إدارة الأنهار الدولية.
وتؤكد أن إثيوبيا، بصفتها دولة المنبع الرئيسية، تمتلك مصالح تنموية مشروعة تدفعها إلى استغلال مواردها المائية لدعم النمو الاقتصادي وتوفير الطاقة. وفي المقابل، تملك مصر مخاوف حقيقية تتعلق بالأمن المائي يجب أخذها في الاعتبار ضمن إطار تعاوني يوازن بين احتياجات جميع الأطراف.
وتحذر الكاتبة من أن تفسير المصالح الوطنية بطريقة تقيد حقوق دول المنبع في التنمية قد يتعارض مع مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، الذي يشكل أحد الركائز الأساسية للقانون الدولي المعاصر. كما تشير إلى أن الممارسات القانونية الحديثة لا تمنح أي دولة حقًا دائمًا في التحكم بقرارات دولة أخرى بشأن استغلال مواردها الطبيعية.
دروس من التجربة الصومالية
ترى الدراسة أن التجربة الصومالية تقدم مثالًا عمليًا لدولة مصب اختارت حماية مصالحها عبر التعاون والتشاور بدلًا من التمسك بمواقف قانونية متشددة. ورغم اعتماد الصومال الكبير على المياه القادمة من إثيوبيا، لم تسعَ إلى فرض قيود واسعة على مشروعات التنمية الإثيوبية، بل فضلت البحث عن آليات تضمن تحقيق المصالح المشتركة على المدى الطويل.
وتشير الكاتبة إلى أن غياب المؤسسات المشتركة بين إثيوبيا والصومال ما زال يمثل نقطة ضعف تتطلب تطوير آليات أكثر تنظيمًا لتبادل البيانات والمشاورات الفنية والمتابعة المشتركة. ومع ذلك، فإن الإرادة السياسية للتعاون وفرت أساسًا يمكن البناء عليه مستقبلاً.
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل النيل الأزرق يتطلب الانتقال من الخلافات المرتبطة بالحقوق التاريخية إلى مقاربة أكثر مرونة تقوم على المعاملة بالمثل والتعاون المؤسسي والاعتراف بالمصالح المشروعة لجميع دول الحوض. وترى أن تزايد السكان وتسارع التحولات الاقتصادية يفرضان البحث عن حلول عملية ومستدامة بدلًا من إعادة إنتاج الخلافات القديمة.
وفي هذا السياق، تدعو الكاتبة مصر إلى الاستفادة من الدروس المستخلصة من التجربة الصومالية واعتماد نهج أكثر توافقًا مع الواقع الإقليمي ومبادئ القانون الدولي المعاصر، بما يعزز الأمن المائي والاستقرار في حوض النيل على المدى البعيد.
https://hornreview.org/2026/06/19/the-case-for-policy-consistency-in-egypts-approach-to-the-blue-nile/

